الانفطار
من التفرد إلى الكون
قبل القرن العشرين، كانت الكوسمولوجيا الغربية تعتقد أن الكون عبارة عن فضاء ثابت لا يتغير، ليس له بداية محددة ولا نهاية. وعندما لاحظ علماء الفلك لأول مرة أن المجرات تتباعد عن بعضها البعض، واجهت فكرة أن الكون كان أصغر بكثير في الماضي مقاومة هائلة. وطوال أربعينيات القرن العشرين، دافع الفيزيائيون عن نموذج الحالة المستقرة، مقترحين أن الكون يولد باستمرار مادة جديدة لملء الفجوات المتوسعة، مما يحافظ على جدول زمني أبدي وغير منقطع. لكن السجل التجريبي أشار في النهاية إلى بنية مختلفة: وهي أن للكون بداية فيزيائية مطلقة.
لم يكن أصل الكون انفجاراً حدث داخل فضاء فارغ، بل كان توسعاً سريعاً وخارجياً للفضاء نفسه. في أول جزء من الثانية يمكن قياسه، لم يكن الكون يحتوي على أجزاء منفصلة. فقد كان كل أثر للمادة والطاقة والبعد الفيزيائي مضغوطاً في حالة تفرد (Singularity) - وهي حالة واحدة غير متمايزة من الحرارة والكثافة الشديدة. في هذه البيئة، لم يكن بوسع الجسيمات المتميزة والعناصر الفردية أن توجد، وكانت القوى الأساسية مدمجة بالكامل. لقد كانت حالة فيزيائية غير قابلة للتجزئة تماماً.
من تلك النقطة المفردة، توسع الكون بسرعة. ومع تمدد نسيج الفضاء، بردت الحرارة الداخلية الهائلة، مما أجبر الطاقة التي كانت غير متمايزة سابقاً على الانفصال. أدى هذا الانفصال إلى تأسيس أولى البنى الفيزيائية المتميزة. ترسبت الجسيمات الأساسية من الحرارة، تلتها ذرات بسيطة من الهيدروجين والهيليوم، والتي تجمعت في النهاية لتشكل المجرات الأولى. انتقلت بنية الكون مباشرة من حالة الانضغاط المطلق إلى نطاقات واسعة ومنفصلة.
تم تأكيد هذا التسلسل الميكانيكي من خلال الملاحظة المباشرة. ففي عام 1929، قاس إدوين هابل أن المجرات البعيدة تبتعد عن الأرض أسرع من القريبة منها، مما أرسى ميكانيكية التوسع. وبعد عقود، في عام 1965، اكتشف أرنو بنزياس وروبرت ويلسون في مختبرات بيل البقايا الحرارية لتلك الحالة الأولية المضغوطة: وهي إشعاع ميكروي موحد قادم من كل اتجاه في السماء. هذا الإشعاع الخلفي الكوني هو أقدم ضوء في الكون، وقد انطلق عندما برد الكون أخيراً بما يكفي لتتشكل ذرات متميزة. وبفضل رسم خرائط هذا الضوء القديم بتفاصيل استثنائية بواسطة الأقمار الصناعية الحديثة، أصبح لدينا سجل فيزيائي قاطع لكيفية انفصال نقطة واحدة كثيفة إلى الكون المنظم الذي نلاحظه اليوم.
تستند هذه الآية إلى زوج دقيق من الأضداد الهيكلية. فكلمة الرتق (الالتئام والانسداد والاتحاد) تصف الحالة الأصلية: كلاً واحداً غير متمايز. وفي هذه الحالة، كانت السماوات والأرض ملتحمتين في وحدة مادية مطلقة. أما الفتق (الشق والفصل) فيصف التحول الذي طرأ عليهما. في اللغة العربية الكلاسيكية، هاتان الكلمتان متضادتان تماماً، واختيار كلمة الفتق بدلاً من مصطلح أكثر ليونة مثل الفرق (التقسيم) يشير إلى أن هذا لم يكن مجرد ترتيب لطيف للمادة، بل كان انفصالاً عنيفاً وحرفياً للوحدة الأصلية. تقدم الآية تسلسلاً كاملاً: كلاً ملتحماً، ثم انفجاراً أدى إلى انشقاقه.
تفتتح الآية بتحدٍ: "أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا؟"، حيث يحمل الفعل العربي رأى معنيي الرؤية البصرية والإدراك العقلي. وقد فسر ابن عباس (ت 687هـ) الرتق والفتق كحدث مادي حرفي، مؤكداً أن السماوات والأرض كانتا في الأصل كتلة واحدة غير قابلة للتجزئة قبل أن يفصلهما الله بعنف إلى نطاقات متميزة. وتعزز قواعد الآية حتمية هذا الانفصال؛ فصيغة الفعل كانتا متبوعة بـ ففتقناهما تضع هذا الحدث الانفجاري بالكامل في الماضي. وتشير الفاء في الفعل الثاني إلى نتيجة مباشرة وفورية، واصفةً فعلاً مفاجئاً ومكتملًا من أفعال الخلق يختلف جوهرياً عن الحالة الراهنة للنظام الطبيعي.
تناول فخر الدين الرازي (ت 606هـ) هذا التحول المادي كدليل قاطع ضد فكرة أزلية الكون. فقد جادل بأن الانتقال من كتلة متصلة وملتحمة إلى بنية منفصلة يثبت أن العالم المادي خاضع للتغير الهيكلي. ولأن النظام الطبيعي شهد تغيراً جوهرياً من الوحدة المطلقة إلى الانقسام، فإنه لا يمكن أن يكون ساكناً أو أزلياً في ماضيه. وبالنسبة للرازي، فإن الانفصال المادي الذي وصفه الفتق يثبت وجود بداية مطلقة.
وفي كتاباته بعد بضعة عقود، لاحظ القرطبي (ت 671هـ) أنه نظراً لعدم وجود إنسان ليشهد هذه البداية المطلقة، فإن "الرؤية" المطلوبة في مطلع الآية هي رؤية القلب، أي إدراك العقل. تتحدى الآية السامع أن ينظر إلى البنية الواسعة والمنفصلة للعالم الحالي ويستنتج الحالة الأصلية المضغوطة التي سبقتها، وتدعو العقل إلى إدراك أن طبقات الواقع المتميزة لم تكن دائماً منفصلة.
القرآن 21:30
وجه الارتباط
يصف القرآن كوناً بدأ ككتلة واحدة لا تتجزأ قبل أن يخضع لعملية انفصال هيكلية مباشرة. إن الإطار الكوني الحديث، الذي تأسس على مدى القرن الماضي من الملاحظات العلمية، يرجع أصل الكون إلى تفرد أولي (singularity) غير متمايز توسع بسرعة ليشكل هياكل متميزة. إن البنية اللغوية للآية تعكس بدقة التسلسل الميكانيكي للسجل الفيزيائي، وكلا النموذجين يرفضان فكرة الكون الأزلي الذي لا يتغير، لصالح بداية انفجارية محددة تتسم بالانتقال من الوحدة المطلقة إلى الانفصال.