عذبٌ وأُجاج
طبقة الملوحة: حاجز بين البحرين
في مضيق سكاجيراك، حيث يلتقي بحر البلطيق ببحر الشمال، تترتب كتلتان من المياه فوق بعضهما البعض تماماً مثل الزيت والماء. فبحر البلطيق، الذي تغذيه الأنهار ومياه الأمطار، أقل ملوحة بكثير؛ أما بحر الشمال، المفتوح على المحيط الأطلسي، فهو أكثر ملوحة وكثافة. تطفو المياه الأخف وزناً فوق المياه الأثقل في طبقات محددة بوضوح، ويمكن للفاصل بينهما أن يمتد لعشرات الكيلومترات. وصف عالم المحيطات الألماني ألبرت ديفانت هذا الهيكل الطبقي في عشرينيات القرن العشرين، وظل هذا الوصف قائماً طوال القرن الماضي: حيث يلتقي البحران، فإنهما لا يمتزجان بقدر ما يتراكمان فوق بعضهما.
تعتمد هذه الآلية على مبدأ مباشر؛ فالملح المذاب يضيف كتلة إلى الماء دون تغيير حجمه، لذا فإن الماء الأكثر ملوحة يزن أكثر من الماء العذب عند نفس درجة الحرارة. وعندما تتلامس كتلتان مائيتان مختلفتان في الملوحة، تغوص الكتلة الأثقل وتطفو الأخف حتى تجد كل منهما عمقها المناسب. والحد الفاصل الذي يتشكل ليس جداراً، بل هو منطقة تتغير فيها الكثافة بشكل مستمر وسريع. وكلما كان التغير حاداً، زادت مقاومة الطبقتين للامتزاج. وبدون طاقة خارجية - كالعواصف، أو المد والجزر، أو الرياح القوية - تحافظ الطبقات على مواقعها.
تحدث بعض أكثر الأمثلة إثارة لهذه الظاهرة في الأعماق. ففي مضيق جبل طارق، تتدفق مياه البحر الأبيض المتوسط فوق عتبة وتنساب إلى المحيط الأطلسي كطبقة تحت سطحية على عمق عدة مئات من الأمتار، ويمكن تمييزها لسنوات بعد ذلك من خلال بصمتها الفريدة في درجة الحرارة والملوحة. وقد وصف عالم المحيطات الأمريكي هنري ستوميل هذا التبادل في خمسينيات القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين تم تتبع طبقة مياه المتوسط وهي تنتشر في أعماق شمال المحيط الأطلسي. وحيثما يصب نهر في البحر، ينتج المبدأ نفسه حداً على شكل إسفين يمكن أن يمتد لكيلومترات داخل البحر؛ حيث تتدفق المياه العذبة نحو البحر في الأعلى، بينما تتدفق المياه المالحة نحو اليابسة في الأسفل، ويلتقيان عند حد فاصل حاد يمكن لأي شخص يسبح عبره أن يشعر به.
تذكر الآية نوعين من المياه ونوعين من الفواصل. وُصِف الماء بأنه عذب فرات - أي سائغ للشراب - وملح أجاج - أي شديد الملوحة والمرارة. التباين هنا قائم على المذاق لا على القياس؛ فالآية تهتم بما يمثله الماء للشارب، لا بما يحتويه الماء في تكوينه. وتطرح الآية تساؤلاً عما يحدث عندما يلتقي هذان النوعان.
تطلق الآية اسمين على الحاجز بينهما، ويؤدي كل اسم وظيفة مختلفة. البرزخ هو الفاصل ذاته - الشيء الذي يقف بينهما. ووفقاً لابن عباس، فإن البرزخ هو الواجهة التي يتعايش فيها البحران، وليس جداراً. ويفسر القرطبي البرزخ بأنه حاجل - أي طبقة فاصلة، وليس سداً.
أما الاسم الثاني للحد الفاصل، حجراً محجوراً، فهو أكثر تعقيداً. فمن الناحية النحوية، اسم المفعول محجور - من الفعل حجر أي منع - يصف الحاجز بأنه شيء مقترن بالمنع. والمنع واقع على الحاجز نفسه: فالآية تقول إن الحاجز ممنوع من أن يُتجاوز. ويقرأ الرازي هذا بوصفه حداً لا يمكن انتهاكه - حداً لا تستطيع المياه تجاوزه من تلقاء نفسها. فالبحران يمكن أن يلتقيا، لكن الحاجز بينهما لا ينهار.
الفعل الذي تستهل به الآية، مرج، يصف ما يفعله البحران: فهو يحمل معنى الجريان بحرية، والتحرر في الحركة. فالآية لا تصف حوضين ساكنين جنباً إلى جنب، بل تصف مسطحين مائيين في حركة نشطة سُمح لهما بالالتقاء مع احتفاظ كل منهما بخصائصه. ويشير الطبري إلى أن هذا الفعل هو نفسه المستخدم في مواضع أخرى من القرآن لوصف إرسال الأنعام، أو الأنهار، أو خروج الروح عند الموت - لكل ما أُطلق سراحه ليمارس نشاطه الخاص.
وجه الارتباط
يصف القرآن بحرين يلتقيان، أحدهما عذب والآخر مالح، ومع ذلك يفصل بينهما حاجز غير قابل للاختراق. يتطابق هذا الوصف مع سلوك كتل المياه ذات الكثافات المختلفة، التي لا تمتزج بل تتراكم وتتدرج وفقاً لوزنها. وتؤكد علوم المحيطات الحديثة أن الحاجز بين هذه البحار ليس جداراً مادياً، بل هو واجهة ديناميكية مستمرة. ومن خلال تعريف هذا الحاجز كحد ممنوع، يحدد النص الآلية الدقيقة التي تمنع الامتزاج في المياه المطبقة في العالم.
القرآن 25:53